أخبار وطنية آلـو جدّة.. هل هو السمّ في الدّسم؟
باتت نسب المشاهدة هي الدين الوحيد تقريبا للبرامج التلفزية في مختلف القنوات المنتصبة بالمشهد الاعلامي المرئي التونسي بغثّه وسمينه..وهذا ما جعل البعض يفقد مقود التحكم وتكون البرمجة خالية أحيانا من الاتزان المطلوب أو حتى موجّهة لغرض ما بحسب أهواء وانتماءات مالكي الذبذبات..
أكثر الحصص اثارة للجدل في خضم هذا التناسل الرهيب للمادة الاعلامية خلال شهر رمضان هو برنامج «آلو جدة» الذي يبث عبر قناة التاسعة في شكل «كاميرا خفية» أوقعت بالكثير من الوجوه البارزة في المشهد السياسي بتونس..خاصة عندما تتالت الاعترافات المادحة لبن علي حين كانت الجماعة تتخيّل أنها بصدد مخاطبة الرئيس الأسبق قبل أن تصدم بحقيقة فخّ عسير الهضم أمّنه المقلّد «ميغالو»..
البرنامج يلقى نسبة متابعة جماهيرية كبيرة لعدة أسباب أبرزها أنه كسر مع النمطية السائدة و«سرقة الأفكار» من قنوات أجنبية علاوة على أنه ضرب على الوتر الحساس للغالبية من الشعب التونسي التي مازالت تنتظر أولى اعترافات بن علي بعد هروبه الى السعودية، ولهذا جاءت «آلو جدة» بمثابة البروفة الحقيقية التي مكّنت من التعرف على بعض التفاعلات وردود الأفعال بصفة تلقائية..غير أن الأكثر رواجا في القراءات والتحاليل بالشارع التونسي هو الحديث عن اتفاق جاهز بـ«تركيب السيناريو» واطلاع بعض الضيوف مسبقا على فحوى الكاميرا الخفية..
ما قدمته هذه الحصة لا يقدّر بثمن بالنسبة لبن علي الذي لن يجد فضاء أفضل مما يبث حاليا في البرنامج لجسّ نبض فكرة عودته الى تونس وتوفير الأرضية المعنوية لطرحها والتمهيد لها حتى يتقبلها المشاهد العادي.. وهنا لا بدّ من استحضار عدة سيناريوهات مماثلة لأسماء أخرى عولت في البداية على مفهوم الصدمة الذي يحدث لدى المتقبل ثم سرعان ما يتلاشى بمرور الوقت وتعدّد الأطروحات والنظريات المدافعة عن هذا الاسم أو ذاك باختلاف التوجه وحجم الخطايا المرتكبة..والتي غالبا ما تساهم الأحلاف والمصالح في محوها ان اقتضى الأمر ذلك بجرّة قلم ..
وفي مثل الحال بحصة تلفزية سعت الى جني الاثارة حتى بالقضية المزعومة والتي كذبها المحامي أكرم عازوري في وقت سابق..ولعل الأغرب أن من أثارها هو منير بن صالحة الذي حضر بنفسه حلقات التصوير.. وهي كلها عوامل تعيد المتابع العادي الى مربّع الشك حول حقيقة ما يحوم حول هذه الفكرة من غموض. الجدل القائم حول «ألو جدة» بلغ حد النقد اللاذع لطريقة التعامل مع بعض الضيوف وما طالهم من حرج أخلاقي بالتركيز مع تفاعلاتهم أثناء الحوار مع بن علي، وان كان البعض أجاد طوعا اتيان كل صنوف التملّق بشكل أثار الاستغراب وزاد في حدة الشكوك حول الفكرة المراد ايصالها من برنامج قال الكثيرون انه مرّر رسائل مبطنة وخفية في ثناياه أكثر من مجرّد بحث عن نسب المشاهدة أو الايقاع بالضيوف في الكاميرا الخفية..فهل يصبح «ألو جدة» منطلقا لرفع الحظر الاعلامي حول حوارات بن علي تمهيدا لعودته وازالة ما تبقى من ورقة التوت التي تستر قليلا من الحياء؟
طارق العصادي